المهاجرون الجدد … بين الموت غرقاً وعدم الحماية الدولية
موقع السيدة -

زينة عامر- لمجلة سيدة سوريا

مهما بدا التاريخ البشري في صيرورته يحتوي على الكثير من القفزات التي ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية، والتطور النفسي الكبير لكيفية رؤية الإنسان لنفسه ولغيره من البشر. إلا أن هذا التاريخ لا يخلو من بقع سوداء قاتمة تظهر في ثناياه كبدائية ووحشية الإنسان الأول، الخاضع لمبدأ القوة والسيطرة والأنانية المطلقة، دون مراعاة “الإنسانية” ضمن معناها والذي أصبح معروفاً بكثرة في خطابات وأقوال ما يسمى بالمنظمات الإنسانية، وحقوق الإنسان.

ليس من الضروري أن يسير كل خطاب يسمع أو يكتب تلقائياً ليحقق هدفه و يصبح حقيقة واقعة، فأن يكتب نص لاتفاقية حول حقوق الإنسان وقانون إنساني يراعي حياة المدنيين من أطفال ونساء بالحروب والكوارث، وبالرغم من مرور سنوات عليه، لم يوصلنا إلى نتيجة، فالحروب لازالت مستمرة والقتل في القرن الواحد و العشرين أشد فظاعة منه في القرون السابقة، والموتى بين قتلى وغرقى وغيرها، أصبحوا في تزايد غير مبرر وغير مقبول.

مر التاريخ البشري بالكثير من  الحروب البغيضة وبالطبع نتجت عنها حركات هجرة، سواء كان في الحربين العالميتين الأولى والثانية أو في الحروب الأخرى التي حدثت في بلدان متعددة في القرن العشرين، ولطالما اعتبر العالم هجرة الفلسطينيين الأسوأ من نوعها في العصر الحديث، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت ما هو أسوأ من جميع الهجرات السابقة، وذلك بعد الحرب المأساوية المندلعة في سوريا، والتي أُزهقت فيها أعداد كبيرة من أرواح السوريين، نتيجة قصف الصواريخ والقتل الدائر بين الأطراف المتصارعة، ونتيجة محاولة هروب المدنيين من هذه الحرب وتعرضهم للموت خلال فرارهم غير الآمن إن كان غرقاً أو لأسباب أخرى.

الهجرة السورية

تعتبر حركة الهجرة التي حدثت نتيجة الحرب السورية هي الأسوأ من نوعها، فبعد مرور سنة على بدء الأحداث في سوريا، بدأت موجة هجرة كبيرة بلغت ستة ملايين مهاجر إلى دول الجوار كالأردن ولبنان والسودان، تبعتها موجة أخرى هي الأكبر إلى دول أوروبا من تركيا إلى اليونان عبر البحر ومن ثم إلى دول أوروبا الشرقية.

كان الدافع الأساسي وراء هجرة السوريين هو الفرار من الموت المحتم ضمن البقعة التي يقطنون فيها والتي يمارس فيها القتل من عدة أطراف، دون تمييز أو مراعاة لحياة هؤلاء البشر، لكن ذلك لم يجعلهم ناجين كما أرادوا، فالموت كان بارعاً في اقتناص ضحاياه، حتى وإن كان خارج الحدود السورية، آلاف من الأطفال والنساء والرجال والشيوخ ماتوا غرقاً في محاولة منهم للبقاء، والعيش ضمن منظومة توفر لهم ولو الحد الأدنى من سبل العيش، وعلى عكس رغبتهم لم يجنوا سوى الموت، بأبشع الطرق الممكنة غرقاً دون جثامين تؤكد حقيقة وجودهم يوماً هنا.

فتحت ألمانيا وبعض الدول الأوروبية أبوابها للاجئين، تعاطفاً مع ظروفهم الإنسانية خلال الحرب، وبدأت أفواج اللاجئين بالتوافد من تركيا إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا، إلا أن ألمانيا كانت الدولة الأكثر استقبالاً للاجئين وبأعداد كبيرة، في الوقت الذي تخوفت فيه باقي دول الاتحاد الأوروبي من هذه الخطوة، ظناً منها أنها قد تجلب المشاكل والإرهاب إليها.

يبدو في الظاهر أن ما يدفع ألمانيا لاستقبال اللاجئين، هو موقفها الإنساني من الحرب في سوريا ووقوفها بجانب المدنيين اللذين يتعرضون للقتل والموت يومياً بشكل ممنهج، إلا أنه ووفقاً لتحليلات كثيرة للموقف الألماني فالدافع وراء هذا التعاطف الكبير مع اللاجئين، ليس إنسانياً فحسب، حيث تتميز ألمانيا بقوة اقتصادها، في وقت لا تمتلك فيه يداً عاملة منتجة، تتناسب مع فرص العمل المتاحة فيها، وصنفت ألمانيا مؤخراً ضمن أقل الدول بطالة في العالم، لذلك فإن  حاجتها لليد العاملة وانخفاض نسبة الولادات فيها هما سببان أساسيان في هذا القبول الكبير للاجئين المتوافدين إليها، بالإضافة لرغبتها باستقطاب الجيل الشاب بهدف خلق حالة من التوازن بين الأيدي العاملة وفرص العمل للحفاظ على السوية الإقتصادية وتنميتها.

تعددت أشكال الهجرة إلى ألمانيا، سواء كانت شرعية عبر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو غير شرعية وذلك بتهريب البشر عبر البحر للوصول  إلى حدود اليونان وتقديم اللجوء في الدولة التي يرغب الفرد اللجوء فيها بعد ذلك.

الموت بين قتل وغرق

هؤلاء المدنيون الهاربون من قصف الصواريخ والموت المحتم قتلاً، وغير القادرين على السفر بطريقة شرعية، لم يفلتوا من الموت فمخاطر الرحلات البحرية بالقوارب المطاطية “البلم” لا تقل خطراً عن الحرب، واحتمالية الموت كبيرة ضمن ظروف كهذه، وهذا ما حدث حيث فُقد الآلاف من الهاربين، إثر تعرضهم للموت غرقاً، وقدر عددهم ب17 ألف غريق، بعضهم تم انتشال جثثهم بعد أن قذفتها مياه البحار على الشواطئ، والبعض الآخر لازال مفقوداً حتى الآن. وبالرغم من ذلك لم يتحرك المجتمع الدولي والهيئة العامة للأمم المتحدة باتجاه اتخاذ أي قرار، يساعد هؤلاء في الحفاظ على حياتهم، وبالطبع ساهم استمرار الحرب في عدم إمكانية ذلك، و كان التنديد هو الشيء الوحيد المسموع والمقروء عبر وسائل الإعلام، خاصة بعد قصة الطفل آلان وغرقه مع والدته وأخيه في البحر المتوسط، حيث وجد أحد عناصر شرطة تركيا جثته على الشاطئ، وانتشرت صورته ليتبعها استنكار من المنظمات الإنسانية العالمية دون القدرة على اتخاذ خطوات لمنع مثل هذا الحدث، وآلان الطفل السوري من مدينة عين العرب “كوباني” القائمة على الحدود التركية، والبالغ من العمر ثلاث سنوات، مات غرقاً مع أهله الفارين من تنظيم داعش.

مدافن فارغة من أصحابها

من الفظاعات الأخرى الناتجة عن حالات الغرق لهؤلاء البشر، هو مصير جثث الغرقى، فلم يقم الأهالي بالمطالبة بجثث أبنائهم، وبقي مصير معظم هذه الجثث مجهولاً إن وجدت أساساً.

دولياً لا يوجد أي قانون بخصوص كيفية التعامل مع الغرقى الفارين من الحرب، خارج حدود المياه الإقليمية لدولهم، لذلك كان يتم دفن الجثث في الدول التي وجدت فيها، ووجد أكبر عدد من هذه المدافن في تركيا واليونان وايطاليا. العدد الأكبر من الجثث لم يتم العثور عليه واختفت في قاع البحر وكأنها لم تكن.

الطرق الأكثر صعوبة

لم يكن طريق تركيا- اليونان هو طريق اللجوء الوحيد أمام السوريين، إلا أن معظم هذه الطرق كانت أكثر خطراً و صعوبة، وبالرغم من ذلك فقد سلك السوريون هذه الطرق ومنها طريق ليبيا إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط وبحر إيجه، الصعوبة في هذه الرحلات كانت تتمثل بأنها كلها عبر البحر وقد تستغرق ثلاثة أيام أو أكثر من ذلك، واحتمالية الموت غرقاً فيها كانت كبيرة مقارنة بطريق تركيا اليونان الذي كان مفضلاً بالنسبة للسوريين، ومعظم من سلكوا هذا الطريق وجدت جثثهم على شواطئ إيطاليا فيما بعد، بالإضافة إلى العصابات المسلحة في ليبيا وعدم إلمام السوريين بالوضع الأمني هناك مما عرض العديد منهم للخطف من قبل هذه العصابات، وبعد محاولات الفرار عبر طريق ليبيا أقرت عملية “صوفيا”، التي تهدف إلى منع تهريب اللاجئين عبر هذا الطريق، وانتشر على أثرها خفر السواحل على الشواطئ الليبية والإيطالية.

أحداث الهجرة إلى ألمانيا

اذا ماعدنا إلى بدايات الهجرة السورية إلى ألمانيا، يمكننا تتبع ذلك منذ العام 2013، حيث بدأ اللجوء إلى ألمانيا كباقي الدول الأوروبية، ومن ثم بدأت تصدر القرارات من قبل الحكومة الألمانية، في منتصف العام 2015 أصدرت أنجيلا ميركل رئيسة وزراء ألمانيا قراراً يقضي باستقبال مليون لاجئ سوري، وذلك بعد حوادث الغرق التي حصلت في البحر المتوسط وبحر إيجه. لم  تستقبل ألمانيا لاجئين وفق شروط كحملة الشهادات والمؤهلات، بل كانت تستقبل الجميع دون شروط مسبقة، بالمقابل فإن فرصة البقاء لهؤلاء اللاجئين بعد انتهاء ظرفهم الإنساني والحرب في بلادهم هي فقط لمن يستطيع العمل وإعالة نفسه أو عائلته، أما غير القادرين على ذلك فيتم ترحيلهم تباعاً. استقبلت ألمانيا اللاجئين بداية دون الحاجة إلى رفع الضرائب على مواطنيها، إلى أن هذه الأعداد بدأت ترتفع بين سنة وأخرى بعد أن رأى السوريون في هذا البلد أرضاً لأحلامهم، وبداية جديدة يستطيعون فيها نسيان سنوات الحرب والدمار والبدء برسم ملامح جديدة لحياتهم. واشتهرت رئيسة الوزراء الألمانية على وسائل التواصل الاجتماعي بلقب “ماما ميركل” إشارة إلى احتوائها لهم وتعاملها الإنساني فيما يخص المأساة السورية، كما أوقفت الحكومة الألمانية العمل باتفاقية دبلن، بالتزامن مع تخوف كبير من قبل الدول المجاورة لها، بسبب القرارات المتبعة فيما يخص اللجوء. في الداخل الألماني تراجعت شعبية التحالف المسيحي بسبب طريقة ميركل بالتعاطي مع قضية اللاجئين، وحصل خلاف بين أحزاب التحالف مما أدى إلى تغيير في قرارات وقوانين اللجوء. في العام التالي “2016” تضمنت التعديلات إيقاف العمل بلم شمل الأسر المتواجدة في ألمانيا، وتقليص المساعدات المخصصة للاجئين، وبعض القوانين الأخرى فيما يخص الحريات كحركتهم  داخل ألمانيا، وتم الإقرار بقانون نص على ترحيل مرتكبي الجرائم. بالمقابل لم تتوقف ألمانيا عن استقبال السوريين، ففي نفس العام تجمع عدد كبير من السوريين على الحدود الهنغارية بهدف الدخول إلى ألمانيا والنمسا، وقامت الحكومة الألمانية بإرسال القطارات ونقلهم إلى أراضيها.

مؤخراً أصبحت سياسة ألمانيا مع اللاجئين أكثر صعوبة، فالكثير من السوريين لا يحصلون على حق اللجوء، وإنما يتم منحهم إقامة مؤقتة ريثما تنتهي الحرب في بلادهم، وهذا يشكل فارقاً كبيراً فيما يخص القوانين التي تحكمهم، فاللاجئ يستطيع الحصول على إقامة دائمة.

دون حماية دولية!

حسب “القانون الدولي الإنساني”، يتمتع اللاجئون بالحماية التي يكفلها لهم قانون اللاجئين، وكذلك “ولاية مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين”، إلا أن هذا القانون غير سار في حالة السوريين، فالحماية الدولية غير موجودة ومفوضية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية غير قادرة على وضع حل لمشكلة اللاجئين أو منع الأسباب التي أدت إلى لجوئهم وخروجهم من وطنهم، مع تمام المعرفة بأن هؤلاء جميعاً هم ضحايا لم يقترفوا أي ذنب ليكون الموت مصيرهم وخاصة النساء والأطفال، الذين كانوا أكثر عرضة للغرق والموت في البحار. لم يصل مجلس الأمن إلى أي تسوية فيما يخص الحرب الدائرة في سوريا، ولازالت الصراعات تدور على بقع مختلفة من الأراضي السورية، والموتى بين قتلى وغرقى في تزايد، وتستمر أعداد اللاجئين بين فترة وأخرى قاصدين الأمان، فيما ينتظرهم الموت في كل مكان، ألمانيا وغيرها من الدول التي استقبلت اللاجئين، لن تتعامل معهم في نهاية الأمر كمواطنين يتمتعون بحقوقهم دون تمييز، وحتى مصيرهم بعد نهاية الحرب الدائرة في سوريا بات مجهولاً، فهل ستستمر حياتهم كلاجئين أم أن العودة لبلادهم ممكنة؟ هل سيتم ترحيلهم؟ ما من مستقبل واضح لذلك، أقصى مايمكن أن يفعله المجتمع الدولي لهؤلاء أن يوقف موتهم فقط.

المصدر: مجلة سيدة سوريا

The post المهاجرون الجدد … بين الموت غرقاً وعدم الحماية الدولية appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد